موضوع حول حوادث السير بالمغرب

حوادث السير بالمغرب حرب تقتل أزيد من ثلاثة آلاف مغربي كل سنة، وتخلف آلاف المآسي الأسرية والاجتماعية، فضلا عن التكاليف المالية والاقتصادية، في الوجه الآخر للصورة تبقى نتائج الحملات والحرب المعلنة باستمرار ضد حوادث السير بدون نتائج حاسمة ما دامت دوامة القتل مستمرة.

حوادث السير بالمغرب
مضى على إحداث اللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير أزيد من عقدين من الزمن، ومنذ الوصلة التحسيسية الشهيرة، في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، التي كانت تظهر الممثلة ثريا جبران تضرب فخذيها وهي تصيح "أناري جابها ف راسو"، ما زالت رؤوس المغاربة تتشظى بالآلاف، بما يطرح أسئلة محيرة حول خصومتهم الدائمة لقانون السير، وحول هذا الإصرار لديهم على قتل الذات والآخر.
يحتل المغرب مرتبة متقدمة في السلبية، فهو في الرتبة السادسة عالميا في نسبة حوادث السير، حسب التصنيف الدولي لعام 2005، وحدد الإحصاء السنوي الصادر عن اللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير لعام 2004 عدد الحوادث في 51 ألفا و687 حادثة سير مات فيها فيها 3894 شخصا، وأصيب 13 ألفا و479 آخرون إصابات بالغة، بينما أصيب 66 ألفا و571 بإصابات خفيفة.
أما الخسائر الاقتصادية المترتبة عن حوادث السير فتقدر بحوالي 15 مليار درهم لعام 2004، وتبدي شركات التأمين انزعاجا من تصاعد أرقام التعويضات المالية التي تسددها عن الحوادث، وقد بلغت ثلاثة ملايير و21 مليون درهم خلال عام واحد.

وتلخص الأدبيات المرتبطة بحوادث السير أسباب الكارثة عادة في مظاهر تكاد تكون محض تقنية ترتبط بالعاملين البشري والميكانيكي، وهكذا تكون الأسباب الرئيسية لحوادث السير تتلخص في عدم التحكم في القيادة، وتقصير الراجلين والسائقين في اليقظة، وعدم احترام أسبقية المرور، والسياق في حالة سكر، بالإضافة إلى الإفراط في السرعة، وعدم احترام إشارات المرور.

أما العوامل غير البشرية فيجري حصرها في الحالة الميكانيكة للسيارات وفي الحالة السيئة لشبكة الطرق، وكأن هذين المعطيين مستقلين عن إرادة الإنسان،إن التشخيص قلما ينفذ إلى عمق المشكل المتمثل في كيفية تَمثّل السائق والراجل ورجل الأمن ومختلف المتدخلين لقانون السير، وللقانون عموما، بما يحيل، في نهاية التحليل، على موضوع المواطنة ودولة القانون كإطار لتنظيم العلاقات على أساس احترام المبدأ الأولي المتمثل في الحق في الحياة.

على مستوى التشريع لا يبدو أن المغرب يشكو من فراغ أو نقص في النصوص، بالنظر إلى ترسانة الإجراءات الحديثة الرامية للحد من ارتفاع الحوادث القاتلة، مثل إجبارية حزام السلامة داخل المناطق الحضرية وخارجها، ومنع استعمال الهاتف المحمول أثناء قيادة السيارة.
كم سائق يمر كل يوم أمام شرطي المرور وهو مستغرق في مكالمة وفي الوقت نفسه مطمئن إلى الإفلات من تبعات المخالفة؟ فإذا كانت المراقبة قد بدأت ترسخ تقليد الالتزام بحزام السلامة فإن الهاتف المحمول ما زال "خارج التغطية" في سلوك السائقين كما في رد فعل القيمين على فرض احترام قانون السير.

وفي انتظار إقرار مشرع القانون الجديد للسير الذي سيعرض على البرلمان في شهر أبريل المقبل تتلمس مصالح المراقبة طريق التكنولوجيا الحديثة لسد الثغرات المرتبطة بالسلوك البشري، في تجربة تقوم على وضع 150 من الرادرات الثابتة مجهزة بكاميرات وتقنية رقمية لالتقاط الصور وتخزين المعطيات المتعلقة بالسيارة المخالفة، وهي تقنية معتمدة منذ سنوات في عدد من بلدان الاتحاد الأوروبي.
إلا أن النتائج تظل رهينة بمدى تشبع مستعملي الطرق والمراقبين بمبدأ احترام القانون وبروح المواطنة، كمرجعية عامة مؤطرة للسلوك، وقد لا يتأخر المغاربة في إبداع تسمية ساخرة للراردار الثابت، كما أطلقوا من قبل على شرطة القرب اسم "كرواتيا" و"الزريرقة"
أما طلبة الجامعات، في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، فقد كانت المرجعية السياسية حاضرة لديهم بقوة في وضعهم الحرس الجامعي في مكانة طائرة "أواكس" الأميركية ذات الوظيفة التجسسية.
تبرز المعاينة اليومية وبرامج التحسيس العلاقة المتوترة بين قانون السير ومستعملي الطريق، علاقة تقوم على الخوف أكثر من الاحترام والإمتثال، وتجعل من شرطي المرور في تصور السائق رقيبا مزعجا، بما يحول القانون، الذي تتمثل وظيفته الأصلية في الحماية، إلى أداة للعقاب، لدرجة أن المخالف يفضل دفع "التدويرة" على أداء الغرامة القانونية، ليساهم في تكريس سلوك الخرق وتغييب السلوك المواطن.
يجسد خرق قانون السير، من طرف مستعمل الطريق الواقع تحت طائلته، كما من جانب القيم على فرض احترامه، استخفافا بالقانون عامة واستهانة بالحق في الحياة، وفي ظل استمرار حصاد الأرواح تظهر الحاجة إلى مواكبة جهود الحرب على حرب الطرق بمقاربة لا تقتصر على المعالجة التقنية بقدر ما تنصرف إلى "الأعلى"، وتشمل المدرسة والأسرة والأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني، بما ينمي ثقافة المواطنة لإخراج علاقة المواطن بالقانون من منطق الخوف والزجر والتحايل إلى نطاق الاحترام.
هل أعجبك الموضوع ؟